السلمي
416
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
حتى يكون له . بل لا يكون له حتى يكون لهم . فهم الذين اصطفاهم اللّه لنفسه بنفسه ، واجتباهم للعباد والبلاد . فكان هو أنيسهم وجليسهم ومحدّثهم ونعيم قلوبهم وقرة أعينهم . فصارت أجسامهم مع الخلق موجودة ، وقلوبهم عن الخلق مفقودة ، وأرواحهم بالملكوت مجوّلة . فهم سرج الخلق ، وبهجة أهل الصدق . فافهموا أعزّكم اللّه بما أعزّ به أوليا [ ء ] ه وأهل طاعته . إن اللّه عزّ وجل اختار هذه الطائفة من بين الخلائق ، واختصهم لنفسه ، وعاتب نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأجلهم فقال اللّه تعالى وتقدس لنبيه وحبيبه : « يا محمد هؤلاء أهل الصفّة لي وأنا لهم وأنا لك وأنت لي فكن مع من لي ولا تكن مع من لست له ولا هو لي » . وقال في قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ « 1 » . وقال : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ « 2 » . وقال : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ « 3 » . وخاطب اللّه تعالى هذه الطائفة بالإشارات وكلم الناس بالعبارات . فمن يعلم مقامات هذه الطائفة إلّا الأولياء والأصفياء والعارفون باللّه ، هؤلاء المحبّون للّه كما قال ذو النّون المصري قدس اللّه روحه : « أحبّ اللّه قوما فاستقاموا * على صرف الوداد فما يناموا سقاهم للصفا بكأس ودّ * فصاحوا في محبته وهاموا » قلوبهم عرشيّة ، وأبدانهم وحشيّة . شجرة المحبة في قلوبهم مغروسة وإشارتهم بين الخلق جاسوسة . فالسماء سقفهم ، والشمس نارهم ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 52 . ( 2 ) سورة الكهف : جزء من آية 28 . ( 3 ) سورة الكهف : الجزء الأول من آية 28 .